أبي الفرج الأصفهاني

593

الأغاني

غيرهم ، ثم قلت لنفسي : سوءة ! وثق بي رجل وزعم أن حاجته تعدل مالي ثم آتيه فأقول : عجزت عن ثلاثة أبيات ! فانصرفت عامدا إلى أعظمها بيتا ، فإذا هو قد أرخي مؤخّرة ومقدّمه ، فسلَّمت فردّ عليّ السلام ، وذكرت ضالَّتي ، فقالت جارية منهم : يا عبد اللَّه ، قد أصبت ضالَّتك وما أظنّك إلَّا قد أشتدّ عليك الحرّ واشتهيت الشراب ؛ قلت : أجل ، قالت : ادخل ، فدخلت فأتتني بصحفة فيها تمر من تمر هجر ، وقدح فيه لبن ، والصّحفة مصريّة مفضّضة والقدح مفضّض لم أر إناء قطَّ أحسن منه ، فقالت : دونك ، فتجمّعت [ 1 ] وشربت من اللبن حتى رويت ، ثم قلت : يا أمة اللَّه ، واللَّه ما أتيت اليوم أكرم منك ولا أحقّ بالفضل ، فهل ذكرت من ضالَّتي شيئا ؟ فقالت : هل ترى هذه الشجرة فوق الشّرف [ 2 ] ؟ قلت : نعم ؛ قالت : فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها ثم حال الليل بيني وبينها ؛ فقمت وجزيتها الخير وقلت : والله لقد تغذيت ورويت ! فخرجت حتى أتيت الشجرة فأطفت بها فو اللَّه ما رأيت من أثر ، فأتيت صاحبي فإذا هو متّشح في الإبل / بكسائه ورافع عقيرته [ 3 ] يغنّي ، قلت : السلام عليك ؛ قال : / وعليك السلام ما وراءك ؟ قلت ؛ ما ورائي من شيء ؛ قال : لا عليك ! فأخبرني بما فعلت ، فاقتصصت عليه القصّة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت ؛ فقال : قد أصبت طلبتك ؛ فعجبت من قوله وأنا لم أجد شيئا ، ثم سألني عن صفة الإناءين : الصّحفة والقدح فوصفتهما له ، فتنفّس الصّعداء وقال : قد أصبت طلبتك ويحك ! ثم ذكرت له الشجرة وأنّها [ رأتها ] [ 4 ] تطيف بها ؛ فقال : حسبك ! فمكثت حتى إذا أوت إبلي إلى مباركها دعوته إلى العشاء فلم يدن منه ، وجلس منّي بمزجر الكلب ، فلما ظنّ أنّي قد نمت رمقته فقام إلى عيبة [ 5 ] له فاستخرج منها بردين فأتزر [ 6 ] بأحدهما وتردّى بالآخر ، ثم انطلق عامدا نحو الشجرة . واستبطنت الوادي فجعلت أخفي نفسي حتّى إذا خفت أن يراني انبطحت ، فلم أزل كذلك حتّى سبقته إلى شجرات قريب من تلك الشجرة بحيث أسمع كلامهما فاستترت بهنّ ، وإذا صاحبته عند الشجرة ، فأقبل حتّى كان منها غير بعيد ، فقالت : اجلس ، فو اللَّه لكأنّه لصق بالأرض ، فسلَّم عليها عن حالها أكرم سؤال سمعت به قطَّ وأبعده من كل ريبة ، وسألته مثل مسئلته ، ثم أمرت جارية معها فقربت إليه طعاما ، فلمّا أكل وفرغ ، قالت أنشدني ما قلت ، فأنشدها : علقت الهوى منها وليدا فلم يزل إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد فلم يزالا يتحدّثان ، ما يقولان فحشا ولا هجرا ، حتّى التفتت التفاتة [ 7 ] فنظرت إلى الصبح ، فودّع كلّ واحد منهما صاحبه أحسن وداع ما سمعت به قطَّ [ 8 ] ثم انصرفا ، / فقمت فمضيت إلى إبلي فاضطجعت وكل واحد منهما يمشي خطوة ثمّ يلتفت إلى صاحبه ، فجاء بعد ما أصبحنا فرفع برديه ثم قال : يا أخا بني تميم ، حتّى متى تنام !

--> [ 1 ] كذا في أ ، م ، ء . وفي باقي النسخ : « فهجعت » ويظهر أنه تحريف . [ 2 ] الشرف : المكان العالي . [ 3 ] عقيرة الرجل : صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى . وقيل أصله أن رجلا عقرت رجله فوضع العقيرة على الصحيحة وبكى عليها بأعلى صوته فقيل : رفع عقيرته ، ثم كثر ذلك حتى صير الصوت بالغناء عقيرة . ( انظر « اللسان » مادة عقر ) . [ 4 ] زيادة في ط . [ 5 ] العيبة : وعاء من أدم يكون فيه المتاع . [ 6 ] ضبط هذا الفعل في ط هكذا « فاتزر » بشدة على التاء ، وهو صحيح عند من يرى إدغام الهمزة في التاء . وحمل عليه ما جاء في بعض الروايات : « كان النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم يباشر بعض نسائه وهي متزرة » . وبعض اللغويين يمنع هذا الإدغام ويخطىء المحدّثين في هذه الرواية . [ 7 ] كذا في ط . وفي باقي الأصول : « التفت » . [ 8 ] كذا في ب ، س ، أ ، م . وفي باقي الأصول : « أحسن وداع سمعت به قط » ، من غير ما النافية ، وهو مستقيم وإن كان مجيء « قط » في الإثبات قليلا حتى منعه بعضهم . وقد اتفقت النسخ على الحذف في : « أكرم سؤال سمعت به قط » قبل هذه الجملة بأسطر .